9. الرمال الحمراء Red Sands

IMG_20150212_180840

وصلتني رسالة على هاتفي من المحامي السعودي  يقول بها ” انا الان في امريكا اللاتينية، سأعاود الإتصال بك حالما اصل الى الرياض”  انه رحالة بالفعل، و على ما يبدو ان  موضوع التبادل اللغوي بيننا سيتأجل الى وقت لاحق.

عندما عدنا الى الرياض، لم يكن باستطاعتنا ان نتجنب زيارة  صديقتنا الاسكندنافية الضخمة ” ايكيا” في السعودية، فلقد كانت الرفيق الأزلي لنا في مدريد، و هونج كونج، و الدوحة، و كوالا لمبور. فقد اشترينا اثاثاً من ايكيا في كل هذه  المدن، و بكل هذه المدن تبدو معارض ايكيا متشابهة بشكل كبير  بدهاليزها و ممراتها و متاهاتها الموزع

عليها غرف النوم و دورات المياه و ادوات المطبخ و المصابيح و المرايا … عندما افكر بأن هناك المئات من الأشخاص الذين يشترون هذا الأثاث الذي يبدو متيناً، اشعر انني عدت مراهقاً  قد هرب من منزله و يحاول ان يبني له منزلاً مرة اخرى.

لكن الشئ الجميل هو انني لست بحاجة ان اؤسس بيتاً من جديد، فقد استطعنا لأول مرة  ان ننقل كل اثاثنا و اغراضنا  التي اشتريناها من البلدان  الخمسة الاخرى التي عشنا بها الى الرياض، اشعر بالراحة و الانتماء كونني ساستعمل اثاثي القديم.

و كعادتنا، عندما دخلنا الى المحل، اشترينا اشياء لم نخطط على شرائها. وعندما  كنا نقف بالطابور الطويل لنحاسب على اغراضنا، دردشت مع زبون اخر كان ينتظر بجانبي ليحاسب على اغراضه، كان قصيراً، ذا لحية غير مرتبة، و يتحدث الإنجليزية بلهجة عربية، اسمه أحمد من لبنان، و متزوج من سيدة روسية.

و بينما كنت احادثه لم استطع ان ابقي نظري بعيداً عن هدسون و سالم اللذان لم يتوقفا عن الحركة  و اللعب شاعرين بالضجر من طول الإنتظار بهذا الصف، آملين الخروج بأسرع وقت ممكن من المحل، رمقهما احمد بنظرة و سألني ” هل لديك سيارة جيب ( دفع رباعي)  كبيرة؟”

اجبته محتارا من سؤاله ” نعم”

فقال لي ” هل ترغب بالذهاب برحلة لإكتشاف الصحراء مع عائلتك ؟ نحن عادة نخرج مع عائلاتنا في كل عطلة اسبوع الى هناك، يسعدني ان تنضم لنا يوم الجمعة القادم ؟”

فوافقت على عرضه بكل سرور و  لم يخطر على بالي ان اجد فرصة لإكتشاف الصحراء السعودية من خلال ايكيا !

بعد ذلك عندما خرجنا اخيرا من المعرض، بدأت أليسون تساورها الشكوك و سألتني قلقةً ” هل تعتقد انها فكرة جيدة و آمنة ان نذهب الى الصحراء مع شخص غريب تماماً؟

فأجبتها محاولا ان اطمئنها ” لقد  قابلت الرجل في ايكيا !  و قال لي انه ذاهب مع عائلته و مجموعة اخرى من العائلات الى هناك، ! على كل حال سنتقابل يوم الجمعة صباحاً امام ايكيا و اذا لم نشعر بالراحة مما نراه ، لنا حرية الإنصراف متى ما شئنا.”.

لقد كنت ابحث عن فرصة مماثلة لأترك جدران المجمع السكني خلفي و اكتشف هذه المدينة، و بدا احمد رجل لطيف، و لا يوجد اي شئ يبعث على الشك و الريبة من هذه الرحلة. لكن بالحقيقة بدأت اشعر بالقلق من بعد ما سمعت مخاوف أليسون، و بدأت تساورني الشكوك ما اذا كانت  هذه فعلاً فكرة جيدة !

استيقظت صباح الجمعة محاولاً ان ابعث الحماس في قلوب ابنائي، و قلت لهم ” سنذهب اليوم الى الصحراء!” اعددنا كل شئ، من المرطبات و الفطائر و الكثير من علب المياه، و القبعات و واقي الشمس، نحن جاهزون تماماً، ركبنا السيارة و توجهنا الى نقطة الإلتقاء متحمسين لرؤية الرمال الحمراء، عندما وصلنا وجدنا بانتظارنا  سيارة سوداء كبيرة ذات دفع رباعي مظللة بالكامل باللون الأسود، لم يكن ركاب السيارة واضحين لكن يبدو انه يوجد عدة اشخاص بداخلها، اخرج لنا احمد يده من زجاج النافذة و اشار لنا بأن نتبعه، لم يوجد اي وقت لنتحدث او نتعرف !

حاولت ان لا احول نظري عن السيارة التي امامي، تركنا الرياض ورائنا، و مشينا خلف احمد. كم كان سهلا ان ننسى ان وراء هذه البنايات الشاهقة  و الطرق المزدحمة و الحضارة المتطورة تقبع صحراء فارغة و ممتدة امتداد النظر و مزينة بالجمال و الخيام .

استدرنا الى طريق فرعي، ثم الى طريق فرعي آخر، حتى وصلنا الى انتهاء نقطة الطرق الممهدة، توقفنا و نزل احد الأشخاص من سيارته يحمل بيده كيس ابيض، قام بنثر الطحين على الطريق ليعلم مسارنا لكي لا نتوه في طريق عودتنا  ليلاً و قام بعمل ذلك على عدة اماكن مشينا عليها في الطرق الصحراوية و الصخرية حتى وصلنا الى وجهتنا. خبرتهم و معرفتهم بما يقومون به جعلتني اكثر اطمئناً و ازاحت القلق عني.

استغرق هدسون و سالم بالنوم خلال الطريق، و كانت رؤوسهم الصغيرة مغطاة بالعرق، فلم يكن جهاز تكييف السيارة ملائماً لحرارة السعودية. عندما استيقظا كانو مشوشين قليلا وبحاجة لوقت للتعرف  على المكان بخطواتهم الاولى على رمال الصحراء الجديدة كليا عليهم.

امتد نظري على هذه الصحراء الشاسعة و شعرت بضآلة حجمي مقارنة بها و كأنها خلفية للوحة رملية رائعة رَسم عليها الأجداد الأوئل الذين مهدوا الطريق لولادة الاجيال القادمة، و هي نفسها التي شكلت الروح السعودية بكل معانيها و جوانبها.

بعدما تعرف الاولاد على هذا المحيط الجديد بدأوا باللعب و القفز على الهضبات الرميلة بفرح، و بدوا لي من بعيد كأنهم نقاط صغيرة على صفحة الصحراء الشاسعة، فبدأوا بتتبع اثار الجمال و الضحك و القفز و عثروا على  فاكهة تنمو بين هضاب الرمل و جمعوها بقمصانهم .

و كانت مجموعة الكبار مٌشَكَلة من اعراق و اجناس مختلفة فكان هناك رجل امريكي  هيبي في منتصف العمر يرتدي قبعة الكاوبوي ويُدرس اللغة الانجليزية في الجامعة، و مهندس بريطاني  شاحب البياض يرتدي جوارب الى منتصف ركبتيه،  و اخرى تخرجت لتوها من الجامعة و متعطشة للمغامرات الجديدة ، و زوجة احمد الروسية التي تعرف عليها من خلال موقع للتعارف ،و باختصار كانت مجموعة منوعة من الأعراق و الجنسيات المختلفة جمعتها صدفة العمل في هذه المدينة الكبيرة، ولم يكن اي سعودي جالساً بيننا.

بدأت الشمس بالغروب محولة الرمال الى سطح مماثل للون السماء، فحان وقت العودة الى البيت، اما بقية المجموعة، فقد اختارت ان تقضي مسائها في ربوع الصحراء، و بينما كنا نبتعد عن اصدقائنا الجدد بدأ انعكاسهم يتلاشى شيئاً فشيئاً في المراة الجانبية لسيارتي، و كأنما قد ابتلعتهم رمال الصحراء البعيدة.

بدأت الطريق الوعرة بالإنبساط كلما اقتربنا من الطرق الممهدة فاإلى الطريق السريع المؤدي الي شوارع الرياض الرئيسية، كنا نشعر بالتعب لكن ايضاً كنا نشعر بالنشاط  و الطاقة من استنشاق هواء الصحراء النقي، الطاقة اللامحدودة الا بحدود السماء.

شعرت بالسعادة لأننا تخطينا اسوار المجمع السكني للتعرف على العالم حولنا  و اكتشفنا تلك الصحراء الواسعة خارج حدود المدينة، و راودني  الشعور مرة بصغر حجمنا  و ضعفنا نحن البشرعندما كنا  وسط محيط من الرمال، و بينما كنا نقترب من الطريق  السريع، تراقصت امامي انوار المدينة و البنايات الشاهقة ،  و خَطَر لي ان ضعفنا هو سبب تعلقنا بكل الأشياء حولنا ، لخوفنا ان نختلف عن غيرنا و ان نفقد ماهو مألوف لنا  فنبدأ بخلق حواجز بيننا و بين الآخرين لنحمي انفسنا ، من كل ماهو غريب و مختلف.

عزمت بقرارة نفسي ان لا ابقى اسير  مخاوفي الداخلية بل ان اصبح كالصحراء الواسعة المنفتحة التي لا حدود لها إلا أفق السماء البعيدة.

ترجمة: هند العيسى

Translated by: Hind AlEssa

I am traveling in Latin America at the moment. I will get in touch when I get back to Riyadh. The Saudi lawyer is away. He really seems to be a traveler. Our language exchange will have to wait.

Back in Riyadh, we cannot avoid another dreaded trip to IKEA. With the move to our new house comes another visit to the Scandinavian giant, our old friend. Madrid, Hong Kong, Doha, and Kuala Lumpur. We have bought and put together furniture from IKEA in all of those places, and in every country, the store looks the same. I have always felt overwhelmed walking through their maze of living rooms, bathrooms, bedrooms, lamps, kitchenware, mirrors… Hundreds of people sharing an endless fake house makes me feel like a teenager who wants to run away from home. The good thing is that there is not much to buy this time. Riyadh is the first place where we have shipped all the things we have accumulated in the five previous countries. Having our own furniture makes us feel truly at home for the first time in a long time.

Once in the store, we end up buying more than planned, as always. While we wait patiently in the seemingly infinite checkout line, I strike a friendly conversation with another customer. He is short, has an ungroomed beard and speaks with an Arabic accent. His name is Ahmad. He is from Lebanon but married to a Russian woman. Hudson and Salem are restless, as always, and can’t wait to get out of the store. Ahmad glances at them and asks me, “Do you have a 4×4 car?”

“Yes,” I respond, a bit puzzled.

“Would you like to come to the desert with your family? We have a group of people who go every weekend. We are going this Friday. Would you like to come?”

“Sure!” I respond. I never thought that I would find the door to the desert at IKEA.

Later, in the car, Allison has doubts.

“Do you think it is safe to go to the desert with a complete stranger?” she asks, worried.

“He said he is going with his family and other people. We are meeting at IKEA on Friday morning and will follow them. If we don’t like what we see, we don’t have to go,” I explain, trying to sound reassuring.

I have been looking for opportunities to leave the walls behind, and this happens to be an opportunity that found me. I can only hope Ahmad is a nice person and there is nothing weird about this trip. The truth is that, after Allison’s comments, I cannot shake the feeling that perhaps this is not such a good idea.

Friday morning comes. We try to get the kids excited. “We are going to the desert!” Sandwiches, plenty of water bottles, hats, and sunscreen. We are ready. We jump in the car early in the morning and head to meet the people who will lead us to The Red Sands. Once we arrive at the meeting point, we find the huge black SUV that we need to follow. It is not clear who is inside, but there seem to be several people. A hand sign indicates that we need to follow. No time for talking.

I try not to lose sight of the leading car. We quickly leave Riyadh behind. It is easy to forget that not far from the high-rises and busy roads there is a huge empty space sprinkled with camels and tents. We make a turn and take a secondary road. Another turn and there is no more road. We stop, and one of the guys gets out of the other car with a white package. He starts shaking out flour from the package onto the ground to mark the way for the vehicles that will come later. The flour can be seen at night by the headlights — a trail marker. He does the same several times up and down rocky, dusty passages until we reach our destination. They know what they are doing and are well organized. They are just desert lovers; there is no need to worry.

Hudson and Salem have fallen asleep during the ride. Their little heads are covered in sweat. The air conditioning in our old car is not ready for the Saudi heat. They are still a bit disoriented when they take their first steps onto the red sands. The vast open space all around us reminds me of how insignificant we seem to be. The sand becomes the background that gives birth to the foreground of us. The background that we often forget but that it is inseparable from us. And I can’t help but wonder about how this background has molded the Saudi spirit.

Our kids run up and down the dunes, tiny specks in the immense desert landscape. They hide, they follow camel tracks, they laugh, they wonder, they find baby melons growing in the brushy, low dunes and start collecting them in their t-shirts. We meet some of the people who form this heterogeneous group: a middle-aged American with a cowboy hat and a hippy air who teaches English at a university, a pale British engineer wearing socks up to his knees, a girl who recently graduated from college and is thirsty for adventure, the Russian wife of Ahmad, whom he met thanks to an online service for singles… A varied group of people trying to have fun away from the city. Not a single Saudi.

The sun is setting and it seems to want to match the sand color. It is time to go back to Riyadh. The rest of the group is staying until much later, late into the night. As we drive away, I see those people disappear from my rear view mirror as if they had been swallowed up by the sand. The bumpy road gives way to a paved road and then to the highway. We are tired but feel energized by the desert, the energy that comes from having no limits but the horizon.

I feel glad we have left our walls behind for the day and found the vast expanse of desert outside the city limits, rediscovered how small and fragile we humans are in an ocean of sand. But as I watch the headlights zip down the highway back to Riyadh, I can’t help but feel that that fragility makes us inclined to stick to our own tribes, our own ways — to put up invisible walls between each other, and to avoid what seems different, foreign, scary. I will not spend my time here sticking to what I know. I would rather be like the desert: open and only limited by the unreachable sky on the horizon.

Advertisements

نُشرت بواسطة

diegoencantado

Hola. My name is Diego and I currently live and work in Riyadh, Saudi Arabia. "Encantado" means two things: 1. Pleased to meet you. 2. Delighted, happy, fascinated. I am Diego "encantado" because I am always pleased to meet Saudis, and I am fascinated by this country. I hope you enjoy reading about the adventures of a Spaniard in Saudi Arabia.

22 رأي حول “9. الرمال الحمراء Red Sands”

  1. a nice chapter
    keep going
    I am waiting for next adventure
    i notice that you do any thing to know a new thing 👌🏾👌🏾

    to go with people who are unknown I think you are adventurer 😁😊

    إعجاب

  2. I keep ur blog page open in the browser of my phone so I can update it and check on cuz i don’t wnna miss any chapter
    UR writing style is AMAZING especially when you describe the small details carefully
    if u just talk about what u had watched that will be bored cuz we knew it already but the trick was in how u saw it in ur perspective and how u felt about it
    keep on plz and thanks for giving us such a great time reading ur words

    إعجاب

  3. التنبيهات: Chapters | diegoencantado
  4. التنبيهات: Chapters – diegoencantado

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s